ابراهيم بن عمر البقاعي
93
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
فأظهر ولم يضمر لئلا يتقيد بالمذكورين سابقا فيخص هذه الغزوة فقال : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي الكمل رِجالٌ أي في غاية العظمة عندنا ، ثم وصفهم بقوله : صَدَقُوا . ولما كان العهد عند ذوي الهمم العلية ، والأخلاق الزكية ، لشدة ذكرهم له ومحافظتهم على الوفاء به ، وتصوره لهم حتى كأنه رجل عظيم قائم تجاههم يتقاضاهم الصدق ، عدى الفعل إليه فقال : ما عاهَدُوا اللَّهَ المحيط علما وقدرة وجلالا وعظمة عَلَيْهِ أي من بيع أنفسهم وأموالهم له بدخولهم في هذا الدين الذي بني على ذلك فوفوا به أتم وفاء ، وفي هذا إشارة إلى أبي لبابة بن المنذر رضي اللّه عنه ، وكان من أكابر المؤمنين الراسخين في صفة الإيمان حيث زل في إشارته إلى بني قريظة بأن المراد بهم الذبح ، كما تقدم في الأنفال في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ [ الأنفال : 27 ] فذهب من حينه وربط نفسه تصديقا لصدقه في سارية من سواري المسجد حتى تاب اللّه عليه وحله رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بيده الشريفة . ولما ذكر الصادقين ، وكان ربما فهم أن الصدق لا يكون إلا بالقتل ، قسمهم قسمين مشيرا إلى خلاف ذلك بقوله : فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى أي أعطى نَحْبَهُ أي نذره في معاهدته أنه ينصر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ويموت دونه ، وفرغ من ذلك وخرج من عهدته بأن قتل شهيدا ، فلم يبق عليه نذر كحمزة بن عبد المطلب ومصعب بن عمير وعبد اللّه بن جحش وسعد بن الربيع وأنس بن النضر الذي غاب عن غزوة بدر فقال : غبت عن أول قتال قاتل فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، لئن أشهدني اللّه قتالا ليرين اللّه ما أصنع ، فلما انهزم من انهزم في غزوة أحد قال : اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني المشركين - ومما صنع هؤلاء - يعني المنهزمين من المسلمين . وقاتل حتى قتل بعد بضع وثمانين جراحة من ضربة بسيف ، وطعنة برمح ، ورمية بسهم ، وروى البخاري عن أنس بن مالك رضيا اللّه عنه قال : « نرى هذه الآيات نزلت في أنس بن النضر مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ » « 1 » - انتهى ، وغير هؤلاء ممن قتل قبل هذا في غزوة أحد وغيرها ، وسعد بن معاذ ممن جرح في هذه الغزوة وحكم في بني قريظة بالقتل والسبي ، ولم يرع لهم حلفهم لقومه ، ولا أطاع قومه في الإشارة عليه باستبقائهم كما استبقى عبد اللّه بن أبي المنافق بني قينقاع ولا أخذته بهم رأفة غضبا للّه ولرسوله رضي اللّه عنه ، وممن لم يقتل في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم طلحة بن عبيد اللّه أحد العشرة رضي اللّه عنهم ثبت في أحد وفعل ما لم يفعله غيره ، لزم
--> ( 1 ) أخرجه البخاري 4883 مختصرا والترمذي 32004 و 3201 وأحمد 3 / 194 و 201 و 253 من حديث أنس .